الجواد الكاظمي
187
مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام
في ذلك طيب النفس للمبالغة والتنبيه على أنه لو صدر ذلك منهن لشكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم فليس في محله ، ومن ثم عداه بعن لتضمن معنى التجافي والتجاوز ، وقال « منه » مع كون هبة الكل أيضا كذلك بعثا لهن على تقليل الموهوب . قال في الكشاف وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط حيث تلي الشرط على طيب النفس ، فقيل « فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ » ولم يقل فان وهبن لكم أو سمحن ، أعلاما بأن المراعى هو تجافى نفسها عن الموهوب طيبة ، وقيل فان طبن لكم عن شيء منه نفسا ولم يقل فان طبن لكم عنها بعثا لهن على تقليل الموهوب ، ونقل عن جماعة عدم جواز هبة الكل مطلقا . ثم قال : ويجوز أن يكون تذكير الضمير لينصرف إلى صداق واحد فيكون متناولا لبعضه ولو أنّث لتناول بظاهره هبة الصداق كله ، لأن بعض الصدقات واحدة منها فصاعدا . « فَكُلُوهُ » أراد به مطلق الإنفاق والتصرف ، لأنه قد يعبر عن ذلك بالأكل ، [ فيدخل فيه ما إذا كان المهر دينا في الذمة ] « هَنِيئاً مَرِيئاً » صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا ساغ من غير غص أقيمتا مقام مصدريهما ، أو وصف بهما المصدر ، أو جعلتا حالا من ضمير المفعول . وقيل الهنيء ما يلذه الإنسان حال الأكل والمريء ما يحمد عاقبته . وفي المجمع الهنيء الشفاء من المرض ويقال هنأني الطعام ومرأنى ، إذا صار لي دواء عاجلا شافيا . ثم قال : وفي كتاب العياشي مرفوعا إلى أمير المؤمنين عليه السّلام جاء رجل فقال : يا أمير المؤمنين إني يوجعني بطني . فقال : ألك زوجة . قال : نعم . قال : استوهب منها شيئا طابت به نفسها من مالها ثم اشتر به عسلا ثم اسكب عليه ماء السماء ثم اشربه ، فإني سمعت اللَّه يقول في كتابه « ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً » وقال « يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ » وقال « فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً » فإذا اجتمعت البركة والشفاء والهنيء المريء شفيت إنشاء اللَّه . قال : ففعل ذلك فشفي . وفي الآية دلالة على أن هبة ما في الذمة التي هي في معنى الإبراء لا تحتاج إلى القبول ، وعلى عدم اختصاص الهبة بالأعيان ، كما أن الصدقة لا تختص بها على ما مر .